التاريخ والسياسة سؤال تحليلي طويل

لماذا أعطت بريطانيا فلسطين لليهود؟

هذا السؤال يتكرر كثيراً لأنه يحاول اختصار قضية شديدة التعقيد في جملة واحدة. لكن تاريخ فلسطين مع بريطانيا والصهيونية لا يختزل بسهولة في عبارة "أعطت بريطانيا فلسطين لليهود"، رغم أن هذه العبارة تشير إلى معنى سياسي حقيقي من حيث الدعم والتمكين والغطاء الاستعماري. لفهم المسألة، نحتاج إلى التمييز بين اللغة الشعبية المختصرة وبين التفاصيل التاريخية الفعلية.

1 إجابة
186 مشاهدة
79 تصويت

إجابة مميزة

الإجابة المختصرة: لم تكن بريطانيا تملك فلسطين لتمنحها حرفياً، لكنها عبر وعد بلفور والانتداب والدعم السياسي والإداري ساهمت بقوة في تمكين المشروع الصهيوني على أرض فلسطين

هشام القيسي كاتب في التاريخ السياسي

1. هل كانت فلسطين ملكاً لبريطانيا حتى “تعطيها”؟

ليس بالمعنى الحرفي البسيط. بريطانيا لم تكن تملك فلسطين كملكية خاصة لتمنحها كما يمنح شخص أرضه لشخص آخر. لكن المشكلة أن هذا لا ينفي دورها الخطير، لأن بريطانيا كانت قوة استعمارية كبرى، وكان لها نفوذ مباشر وسيطرة فعلية على مصير فلسطين في مرحلة الانتداب. لذلك فالتعبير الشعبي يختصر المعنى السياسي وإن لم يكن دقيقاً قانونياً حرفياً.

2. ما دور وعد بلفور؟

وعد بلفور سنة 1917 كان من أهم اللحظات المفصلية، إذ أعلنت بريطانيا دعمها لإقامة “وطن قومي لليهود” في فلسطين. هذا الوعد لم يكن مجرد رسالة عابرة، بل كان غطاءً سياسياً شديد الأثر، لأنه صدر عن قوة استعمارية نافذة في لحظة إعادة تشكيل المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.

3. ماذا فعل الانتداب البريطاني عملياً؟

خلال الانتداب البريطاني، لم يكن الدور مجرد شعارات، بل كانت هناك سياسات وإدارات وقرارات أثرت في الهجرة والاستيطان والتنظيم السياسي والأمني. وهذا ما جعل الدور البريطاني جزءاً أساسياً من البيئة التي ساعدت المشروع الصهيوني على التوسع والترسخ. أي أن القضية لم تكن وعداً بالكلام فقط، بل ترافقت مع واقع إداري وسياسي على الأرض.

4. لماذا فعلت بريطانيا ذلك؟

تفسيرات المؤرخين تشمل عوامل متداخلة، منها المصالح الاستعمارية، والحسابات الجيوسياسية، والرغبة في توسيع النفوذ في المشرق، والاعتبارات المتعلقة بالحرب والتحالفات، إضافة إلى تأثير التيارات السياسية والفكرية الداعمة للمشروع الصهيوني داخل البيئة الغربية آنذاك. لذلك لا يوجد سبب واحد بسيط، بل شبكة مصالح وقرارات وسياقات.

5. ما الصياغة الأدق إذن؟

الصياغة الأدق هي أن بريطانيا ساهمت في تمكين المشروع الصهيوني في فلسطين من خلال وعد بلفور ثم الانتداب والسياسات المصاحبة له، لا أنها كانت تملك فلسطين شخصياً وتنازلت عنها كما يشاء المالك. ومع ذلك، فإن الوعي الشعبي عندما يقول إنها “أعطتها” يشير إلى حقيقة سياسية مهمة: أن الدور البريطاني كان مركزياً ومؤثراً وخطيراً في ما جرى.

الخلاصة

بريطانيا لم تكن تملك فلسطين ملكية شخصية حتى “تعطيها” حرفياً، لكنها لعبت دوراً أساسياً في تمكين المشروع الصهيوني عبر وعد بلفور، والانتداب، والسياسات الإدارية والسياسية التي غيرت موازين الواقع على الأرض. لذلك فالتعبير الشائع يحتاج إلى دقة، لكن مع الحفاظ على المعنى التاريخي الجوهري: أن بريطانيا كانت شريكاً محورياً في صنع هذا المسار الاستعماري والسياسي.